الشيخ محمد رشيد رضا
107
الوحي المحمدي
بالبهائم والطير والحشرات ، وطالما أوصى بها ولا سيما صغارها وأمهاتها ، وجاءه مرة رجل وعليه كساء في يده شئ قد التف عليه فقال : يا رسول اللّه إنّنى لما رأيتك أقبلت فمررت بغيضة شجرة فسمعت فيها أصوات فراخ طائر فأخذتهن في كسائى ، فجاءت أمّهنّ فاستدارت على رأسي ، وكشفت لها عنهن فوقعت عليهن فلففتها معهن بكسائى ، فهن أولاء معي . قال : « ضعهن » . قال : ففعلت فأبت أمهن إلا لزومهن . فقال صلّى اللّه عليه وسلم : « أتعجبون لرحمة أم الأفراخ بفراخها ؟ » . قالوا : نعم . قال : « والذي بعثني بالحق اللّه أرحم بعباده من أم الأفراخ بفراخها ، ارجع بهن حتى تضعهن حيث أخذتهن وأمهن معا » . فرجع بهن . رواه أبو داود من حديث عامر الرامي رضى اللّه عنه وروى مالك والبخاري ومسلم وأبو داود من حديث أبي هريرة مرفوعا حديثين خلاصتهما أن اللّه غفر لرجل ولامرأة بغى « أي مومس » لأن كلا منهما رأى كلبا قد اشتد العطش به فرحمه وأخرج له الماء من البئر بخفه فسقاه قالوا له : يا رسول اللّه إن لنا في البهائم أجرا ؟ فقال : « في كلّ كبد رطبة أجر » . ورواه أحمد عن عبد اللّه بن عمرو سراقة بن مالك بلفظ : « وفي كل ذات كبد حرّى أجر » . وقال صلّى اللّه عليه وسلم : « الراحمون يرحمهم الرحمن ، ارحموا من في الأرض يرحمكم من في السماء » . رواه الترمذي وأبو داود من حديث عبد اللّه بن عمر رضى اللّه عنه ، ورويناه مسلسلا بالأولية من طريق أستاذنا الشيخ محمد أبى المحاسن القاوقجى ، وقال صلّى اللّه عليه وسلم : « إن للّه مائة رحمة أنزل منها رحمة واحدة بين الجن والإنس والبهائم والهوام ، فيها يتعاطفون ، وبها يتراحمون ، وبها تعطف الوحوش على ولدها ، وأخّر اللّه تسعا وتسعين رحمة يرحم بها عباده يوم القيامة » - وفي رواية - : « ولو يعلم الكافر بكلّ الذي عند اللّه من الرحمة لم ييأس من الجنة ؛ ولو يعلم المؤمن بكلّ ما عند اللّه من العذاب لم يأمن من النار » . رواه البخاري ومسلم والترمذي أ . ه . * * * هذا ولو كان القرآن بأسلوب الكتب العلمية والقوانين الوضعية لما كان له ذلك التأثير الذي غير ما بأنفس العرب فغيروا به أمم العجم ، فكانوا كلهم كما وصفهم اللّه عزّ وجلّ بقوله : كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَوْ آمَنَ أَهْلُ الْكِتابِ لَكانَ خَيْراً لَهُمْ مِنْهُمُ الْمُؤْمِنُونَ وَأَكْثَرُهُمُ الْفاسِقُونَ [ آل عمران : 110 ] ، ولم يكن عند العرب شئ من العلم بسياسة الأمم وإدارتها إلا هذا القرآن ، والأسوة الحسنة